Article

آخر مقال.. عن الانسان و المشيئة و الإرادة

حلمت و تمنيت و أحبببت و عملت و في كل مرة خابت آمالي و تحطمت أحلامي، فقدت من أحب و لم يثمر عملي كما أردت.. كان الواقع دائماً أكثر قسوة عما توقعت .. فتحت أذرعي لأحتضن الحياة و استقبلتها بكل الترحاب و لكنها صفعتني بقوة.. ظننتها مرة و سوف تمر، إلا أنها استمرت في صفعي، و كلما تمنيت بشدة كلما صارت صفعتي و خيبتي أكبر تساءلت كيف لا أستطيع؟ إنه أنا الانسان الذي خلقني إلهي قادراً.. كيف تقف في طريقي الحياة؟ لقد ظننتني قادراً على كل شيء. أراجع نفسي الآن و أراجع خططي و مشاريعي، أكانت رغبتي حقاً قوية في الوصول إلي ما صبوت إليه؟ اليوم يملأني الشك .. أشك في نفسي .. في قدراتي و حتى في انسانيتي! لا أريد الآن سوى أن أختفي تماماً، فقد فشلت في ان أكون انساناً و أن أحقق أحلامي و أعيش سعيداً

لا، لا تخاطبني من أعماقي كما تفعل دائماً.. لا أريد أن أسمع، فلا يوجد تفسير يرضيني عن خيبتي.. لقد حلمت و بدأت أن أنفذ أحلامي و فشلت و أنت لم تساعدني.. نعم، لقد قلت لك لتكن مشيئتك .. و لكنك تحبني و لهذا فإنك توافقني على كل ما أريد.. آآآه، أنا لا أفهم بالمرة!

يا ولدي، لقد كنت في الحقيقة تقول لي دائماً: "لتكن مشيئتك.. فحاول أن تشاء ما أريده أنا!!!" نعم، لقد أصبت عندما قلت أنني أحبك و لكن قف و فكر، هناك توازن صنعته في هذا العالم، توازن ما بين حرية هذا العالم و مقدار تدخلي في نظامه.. أنا أحبك و أحب إخوتك أيضاً .. و لهذا فإنك يجب أن تعمل لتحقق ما تريد، هل كنت تنتظر أن تهبط عليك وظيفة الأحلام من السماء لأنك أردت؟ هل تنجح في اختبار لأنك طلبت؟

أفكر ثانية، أليست هذه هي الإرادة؟؟ أن أحلم و أفكر و أعمل فيتحقق ما أريد .. يرد مرة أخرى قائلاً: و كم خططت و عملت من أجل هذا في الحقيقة؟ و متى أعلنت فشلك و استسلامك و حملتني مسئولية خذلانك. انهض من هذا الفشل و ضع خططاً جديدة و حاول مرة أخرى ثم ثالثة ثم رابعة ..

حملت هذه الفكرة بداخلي طوال الوقت و صرت أتخيل دورة الانجاز، تبدأ بحلم فتمر بالتفكير ثم التنفيذ.. هكذا يتحقق ما نريد نحن البشر. تخيلته طوال الوقت يحلم بالانسان ثم يفكر و يصنع له عالماً كاملاً ليستقبله فيه ثم يخلقه هو كما تمناه، على صورته هو.. أخذت أراجع أسباب ما أسميته فشلاً .. هل حقاً أخفقت في بلوغ كل أمانيَّ، هل حقاً فشلت؟؟ أرى الطريق منذ البداية، يوم وجِدت ثم أدركت هذا الوجود و علمت أن لي صانعاً ثم اتصلت بعقلي و أحاسيسي، ما زلت أذكر يوم أحببت و يوم تألمت، أذكر أحلامي كيف كانت تبدأ برغبة صغيرة في التميز، في الإنجاز، في الوصول بوجودي إلي هدفه.. هذه الرغبة التي تنمو معي في كل يوم و في كل حلم من أحلامي.. قليلات هي تلك الأحلام الي ارتقيت بها إلى مرحلة التفكير و التنفيذ.. أحياناً أيضاً ما كان التفكير جزء من الحلم لتصير أحلامي بعدها أوهاماً و تتبخر لقلة اتصالها بالواقع.. ثم أشكو أنه أليم هذا الواقع القاسي الذي لا يطابق رؤيتي الوردية لهذه الحياة التي أمتلكها كانسان. لقد خذلتني إرادتي... أم تراني أنا من خذلتها؟ أشعر به ينظر بأسى لاستسلامي هذا.. كما لو كان يقول : لا تيأس فأنا لم أيأس أبداً...

لا تنظر إليًَ هكذا، فبالطبع أنت لا تيأس .. أنت عظيم و ليس لديك ما يحبطك.. كل مشروعاتك ناجحة

ينظر إليًَ مرة أخرى و يقول: ألا تظن يا ولدي أن رفض أحد أبنائك لك هو مؤلم و محبط، لقد اختبرت الحب أنت أيضاً، ألم تتذوق مرارة المحب المتألم؟؟ فبعدما أكملت خليقتي و استرحت، تركتها حرة.. و عندما لم تتصل بي .. خاطبتها أنا.. كم رفضني البشر في بعض الأحيان و قبلوني في البعض الآخر.. أحياناً بمجانية و احياناً أخرى بشروط و ضمانات.. ملايين السنين و أنا أرى أولادي يسقطون و ينهضون، يحبونني أو يرفوضون وجودي و أحياناً يكتفون بتجاهله.. ماذا تراني فعلت في كل هذه السنوات؟؟ هل أبدت البشرية؟ هل أهلكت الأرض تماماً؟ لم أيأس منكم يا ولدي أبداً، لقد أحببتكم و أردتكم و هكذا سأفعل حتى نجتمع ثانياً.. سأظل أحاول إلى الأبد.. لقد أرسلت للبشر العديد من حاملي الرسائل.. رفضوا الكثير منهم... لم أكن أبغي سوى أن أنقل لهم حبي و تخيلي الأول للانسان في جنة الأرض.. و عندما لم تصل رسالتي واضحة، لم يكن أمامي سوى أن أعيش على أرض البشر في أجسادهم.. أن أكون انسان مثلهم لأوصل لهم شخصياً عشقي لهم.. أن أصير واحد منهم لأنقل ملكوتي إليهم.. و حتى اليوم.. كم يخذلني البشر في كل مكان.. إنهم يتقاتلون.. يدوسون بعضهم البعض.. لدى البعض منهم إرادة غريبة للتدمير – ليست مني هذه و لا تشبه إرادتي التي غرستها فيك- و عذرهم أنهم لا يفهمون الحياة بمعناها الحقيقي.. لا يستطيعون رؤيتها بعيوني أنا.. أنظر يا ولدي إليَّ .. إن محبتي للبشر هي التي دفعتني لسنوات الدهر ألا ايأس منهم..  إنها المحبة التي تولد الإرادة الحقة.. المحبة الصادقة هي التي لا تيأس..

لمستني كلماته.. أسائل نفسي الآن لماذا رفضت أن أسمعه و أن أترك له مساحة ليدلني على أسباب ما أسميته فشلاً.. أين نقصتني المحبة لتتهاون إرادتي؟؟ هل نقصت محبتي له؟؟ هل نقصت محبتي لذاتي و إيماني بها؟؟ هل نقصت محبتي لإخوتي و ثقتي فيهم؟؟

أتذكرني أخطو في حياتي بأتوماتيكية، كأنما مقدر لي أن أحصل على ما أريد بوضع اليد فقط.. بلا استحقاق.. أريد فأتمنى و أحلم و أحياناً أكتفي بالنية الحسنة و الدعوات الطيبة وأتكل على روح العالم لتقودني حيثما أشاء أنا.. على الرغم من أن رغبتي ليست عظيمة.. فهي لا تستند سوى على أمنية فاترة لست أذكر إن كانت حقاً من أعماقي أم لا! أراني في الكثير من الأحيان مخاطباً نفسي قائلاً إن زمن المعجزات قد انتهى.. و أن الله لا يتدخل في شئوننا و لو تدخل فلست أنا الأولى بهذا التدخل .. فمن أنا حتى ينظر لي خالقي؟؟ وأدرك أن محبتي له قد خذلته... أراني أيضاً أحقر من قدراتي و من شأني.. أؤجل إلى الغد أحلامي.. أتكاسل في النهوض و الانجاز و أرى الحلم يتلاشى و يختفي تحت مرأى عيناي...  فأدرك ان محبتي لذاتي قد خذلتها أيضاً.. و أمامي إخوتي البشر.. احترست منهم و صنفتهم جميعاً في سلة واحدة.. نعتهم بالخيانة و نكران الجميل.. أعلنت عدم استحقاقهم لمجهوداتي.. حكمت عليهم بالفشل في المحبة و قررت حرمانهم من ثماري فلم أثمر!! و حينئذ أدركت أيضاً أن محبتي لإخوتي خذلتنا جميعاً..

أرى الآن كل شيء بوضوح.. أرى لماذا ضعفت إرادتي.. لقد صنعني خالقي بكم هائل من المحبة و الإرادة و كما استعملهم أيضاً أعطانيهم.. فأنا مثله.. على صورته و مثاله..

تصعد إليك صلاتي من أعماق روحي.. يا من لمست محبته و إرادته حية في خليقته.. إملأني من إرادتك أو بالأحرى من محبتك.. ثبتها فيَّ، فلا تعد تنقص مني.. أعطني أن أرى من خلال عيونك.. فأرى البشرية كما تخيلتها و آخذ دوري فيها.. يعلو شكري إليك إلى الأبد.. لأنك أبداً لم تفقد الأمل فيَّ و في صحوتي.. أشكرك أيضاً لأن لي إخوة في البشر، يخطون على نفس الطريق.. يسقطوا و ينهضوا معي.. يشدون علي أيدي.. يذكرونني بمحبتك و إرادتك.. إجعلني كل يوم أقترب من الصورة التي في خيالك.. الصورة الأقرب إليك.. فأصير أكثر انسانية كل يوم.

 

 

 

هذا الإنسان - الجزء الثاني

أنا عقل و مشاعر

إنه أنا مرة أخرى. أنظر لنفسي ثانيةً. أبدو مختلفاً هذه المرة! أنظر لكل ما أدركته، لكل ما عرفته عن نفسي. أنظر للمكان حولي الذي يعج بأشياء من كافة اللأصناف حتى تكاد تبدو لي مخترعات عجيبة ثم أدرك أنها أدوات للحياة اليومية إخترعها الانسان. أتأمل فيما صنعته هذه البشرية و أتعجب. كل ما يحوطني من أبنية و أجهزة وإختراعات. كل صوت منبعث من جهاز أو صورة على شاشة خلفها انسان. أرى هذه العجائب و أتسائل، هل الانسان أيضاً خالق؟؟

أعود أنظر لنفسي، إنه لهذا السبب أشعر بالإختلاف اليوم. إنه عقلي الذي أدركه. إنه عقلي الذي أدرك لي كل ما أدركت، إنه عقل الانسان الذي صنع الحضارة و إخترع الأدوات ثم الأبنية ثم الأجهزة.
إنها هذه المادة الرخوية التي تستقر في داخل رأسي و تأمر جميع أعضائي كأنما الرئيس عليهم. لا، لقد تداخلت علىَّ الأمور. فمخي ليس هو عقلي. حسناً المخ هو ذلك العضو المستقر داخل الرأس، يمر فيه عدد لا يحصى من الومضات الكهرائية التي تنقل الأوامر منه و إليه و إلى العالم الخارجي! ينظم وظائف الجسد و يرسل و يستقبل كل الإشارات، كل المؤثرات. إنه هو الذي يحلل الصورة التي تنقلها العينين، و الصوت الذي يأتي عبر الآذان، و هو الذي يترجم ما تلمسه اليدان. إنه المتحكم في هذا الجسد. إنه من يفكر و من يتكلم و من يحدد من أنا و كيف أختلف. و عند هذه النقطة أستطيع أن أسميه عقلاً.

عندما أتجول بفكري في عقول البشرية أرى أيضاً الكثير
فهنالك عقولاً صنعت الحضارة
و عقولاً أخرى هدمت الحضارة بحروبها
هناك عقولاً أثرت حياة البشرية بمخترعاتها النافعة
و أخرى صنعت السلاح الذي قتل به الانسان أخيه و تفننت
هناك عقلاً أبدع فناً يرتقي بالروح و يعلو بها إلى السموات
و آخر صنع ما يخاطب غرائزه فقط
و هناك من حاول يشفي المرض و يمنعه
و من إخترع فيروساً جديداً ليبيد أعدائه من البشر

أحتار حقاً، لما صنعنا الله قادرين هكذا؟؟ إنظروا لكل ما صنعناه.. لقد أخذنا الأرض بكراً و أحطناها بأبنيتنا و أجهزتنا، لقد نافسنا القمر في السماء بأقمار صناعية لنعزز اتصالاتنا، لقد وجدنا الدواء و لكننا خلقنا المرض، لقد صنعنا الفن و خلقنا السياسة. حقاً لماذا نحن قادرين هكذا؟
و إذا كنا قادرين هكذا، فبماذا أفسر الجنون؟ بماذا أفسر الجهل و التخلف؟ بماذا أفسر فقدان العقل؟

عقلي يخاطبني قائلاً: و ما مشكلتك في كوننا قادرين؟ ألا ترى أن كل استعمل عقله بحسب معتقداته و أفكاره؟ أن العقل ربما يكون قد انقلب على البشرية و لكنه يبقى حراً أبداً.
لقد سجنوا الأجساد و قيدوها و لكن العقل ظل حراً. لقد تخطى العقل حدود الجسد الذي يسكنه. لقد أدرك عقل الانسان أن له خالق و أدرك بدوره أنه هو أيضاً خالق.

هه؟؟ حسناً يا عقلي العزيز، لقد مسك الجنون!!

لا يا ولدي،
إنه أنا من أخاطبك من خلال عقلك،
نعم يا ولدي، لقد خلقتك خالقاً.
نعمـ أنت لا تستطيع أن تخلق شيئاً حياً
و لكنك عمرت الأرض بكل ما بها.
لقد خلقتك لي شريكاً في هذه الخليقة،
خلقتك لتصنع معي.
أكنت أشيد لكم مبانيكم و أعمل لكم أجهزتكم؟
لم أخلق لك الحاسب الآلي الذي صنعته أنت
و لكنني خلقت الأعظم
خلقتك أنت
و خلقت لك عقلاً لتستكمل ما بدأته أنا.

*****

تمر أيام و خلفها أيام و أعيش مع إخوتي البشر. أستخدم جسدي و عقلي، أفكر معهم و أكل معهم. نعيش سوياً!
و أشعر بنفسي مختلفاً كل يوم. أرتبط بهم، أحتاج إليهم، أخاف عليهم أن يمسهم أي سوء، أريد أن أخدمهم، أختلف معهم، أريد أن أضرب بعضهم أحياناً. أفرح كثيراً و أحزن كثيراً أيضاً في مرات أخرى. أحببتهم و كرهت البعض أحياناً. إنه المشاعر التي تنمو كل يوم و أدرك أنني أكثر من جسد و عقل و روح، لدي أيضاً المشاعر. تلك الأحاسيس التي تنمو في مكان ما بداخلي –لم اتأكد بعد لو كان قلبي أم عقلي- كلما إزدادت علاقتي بالبشر.

في وجودي معهم، تعلقت بانسان آخريشبهني كثيراً و لكن يختلف عني كثيراً أيضاً. كائناً جميلاً هو. أحببت هيئته، و أعجبت بعقله. أصبحت أشتاق إلى أن أراه أكثر من الجميع و هو أيضاً كان يشاركني نفس الإحساس. و أدركت أن هذا هو الحب! نعم، أنا أحب.
أحب أن أراه و أحب أن أراه سعيداً، أجزع عندما يمر بخاطري أن سوءاً قد يمسه. أجد سعادتي بقربه و أتمنى له كل الخير. أود أن أقضي كل أيامي معه و أحبه و أخدمه و أدخل السعادة إلى نفسه. لم يكن مثلي و لكنه كان يكملني.
إنها سعادة عظيمة تلك التي أشعر بها، إنها تتخطى كل الحدود المتعارف عليه، إنها تفوق الوصف، إنها السماء، حقاً لقد لمست السماء بيداي!

إفترقنا..

كما يفترق الجميع.. تتعدد الأسباب و يظل الفراق كما هو.. العكس التام للسعادة الفائقة الوصف، الألم الذي يفوق الإحتمال...
الألم الذي لم أرى له حلاً، الألم الذي جعلني أتمني الموت حتى لا أعيش تلك اللحظات الكئيبة.
تتعدد الأسباب أيضاً و تتعدد الآلام، و لكن يظل ألم النفس هو الأعظم.. هذا الألم الذي يعتصر في النفس و قلما يجد منه الانسان مخرجاً. قيل لي أن لي في الصلاة دواءاً و ان أملي الوحيد هو أن الوقت سيمحو كل شئ.

و لكنني ألومه.. ليس علي الفراق.. و لكن على الحب!!
نعم لماذا نحب لنفترق؟؟
لماذا نتعلق ببعضنا لنموت؟؟
لماذا نأمل في الحياة و نتطلع إلى الأفضل ليخيب أملنا؟؟
لماذا نحب فنتألم؟؟

أشعر بنظرته الحانية لي، كأنما يريد أن يربت على أكتافي و يحتضنني.

يتكلم كما يخاطبني دائماً من أعماقي..
هل تظن يا ولدي أن الألم هو أسوأ ما في الحياة؟؟
أنظر مرة أخرى و ستدرك أنك تتكلم من منطلق إحساسك بالأم و الخيبة فقط
أسوأ ما في الحياة هو اللا حب، اللا إحساس، اللا إهتمام، اللا مبالاة
أن تحب هو أن تخوض مغامرة عظيمة، الألم قد يكون إحدى ضرائبها
و لكن أن ترفض الحب من البداية، هو أن تقرر الموت حياً!
تلك النار المقدسة التي لمست قلبك عندما أحببت فأشعلته
تلك النار كانت أنا
لقد إختبرتني يا ولدي
فمهما كان الألم في هذه الحياة.. فإنه لا يساوي لحظة واحدة مني في قلبك
ألا ترى أنني أتألم معك؟؟
منذ بدء الخلقة و أنا أتألم لألمك
و أن نار المحبة التي أشعلت قلبي بحبك هي من دفعني إلى الألم
الألم و حتى الموت من أجلك..
إفرح يا ولدي، فقد أضاءت شعلتي بداخلك
إفرح يا ولدي لأنني أحببتك و تألمت من أجلك
كل ما حدث لك كان عظيماً، لأنك في إرتباطك بالبشرو في حبك و في ألمك و في كل مشاعرك تختبر وجودي و تشعر بإحساسي و تكون واحداً معي...

* مقالات أكتبها لمجلة دعوة خاصة جداً - تصدر عن نشاط أغصان الكرمة - الجزء الأول هنا

هذا الإنسان - الجزء الأول

فتحت عيناي .. لا أتذكر كم من الوقت بقيت مغلقة.. و لكنني فتحتها الآن..

هل أنا أعمى؟؟ لما يحوطني هذا السواد؟؟ لا لا لست اعمى .. أتذكر أنني كنت أرى في الماضي .. لا، لست أذكر شيئاً..

من أنا؟؟ أو بالأصح ما أنا؟؟ أنا لست أدري.. لست أعلم

كل ما يبدو لي أنني فقط موجود.. كائن .. حي ..

أنظر لهذا السطح اللامع حيث تنعكس هذه الصورة التي تتبعني أينما ذهبت..

أهذا هو الإنسان إذن؟؟ أهو أنا؟؟

أتأملني طويلاً: كرة بها بعض البروزات و يعلوها الشعر تستقر فوق مخروط يقطعه عمودياً خط تتدلى منه زوائد تنتهي بالعديد من الأصابع.. أهذه أذرعي؟؟ يديا؟ أصابعي؟ أضم هذه الأصابع بإحكام.. قبضتي، تبدو لي قوية، أفتحها مرة أخرى.. يا لها من حركة

أتأمل بإعجاب الإنعكاس الهادئ على السطح اللامع لهذه الآلة الجميلة .. كم تبدو دقيقة .. معقدة و لكن بسيطة..

ترى كم من الوقت إحتاج صانع الإنسان لتصميمه؟؟ هل كان صنع الإنسان هو حلم حياته؟؟ شغله الشاغل؟؟

في كل الأحوال يبدو بارعاً حقاً

أترك السطح اللامع لحاله و أتأمل نفسي .. أنا الإنسان

أراني، كأنما أراني للمرة الأولى .. اليوم أدركت أنني إنسان و لكنني أجهل ما هو هذا الإنسان ..

لا تملوا، إذ أنني سوف أردد هذا اللفظ الجميل "إنسان"، لست كمن تعلمه اليوم و لكنني أدركت اليوم أنه أنا ..

يجب أن أكتشفه .. يبدوا قوياً، دقيقاً، معقداً، بسيطاً، جميلاً، فريداً .. كل هذا .. هو أنا .. كم أنا فخور

هذا الجسد

وصفته أنا بالكرة المرتكزة على مخروط ... إلخ .. فإذ به رأس يحتوي على مخ ينظم وظائف الجسد و يضم عيوناً للرؤيا، أذاناً للسمع، أنف للتنفس و الشم و لساناً للكلام .. حقاً لقد تعدت هذه الكرة توقعاتي!!

هذه الهيئة الإنسانية، إذ بها مجموعة من الخلايا التي تكون أعضاء و الأعضاء تكون أجهزة تعمل بدورها على بقائي حياً.

أغلق عيناي، أنصت بإهتمام لهذا الصوت الذي يدق بداخل صدري، إيقاع منتظم .. أهذا هو قلبي؟؟ أهو الذي يسرع عندما أخاف، أقلق أو أرى من أحب ؟؟ أهو الذي يضخ الدم و الغذاء لباقي الجسد؟؟

صدري يعلو و يهبط معلناً إمتلائي بالحياة، الذي يمارس اليوجا قد يخبرني أنني أتنفس الخالق في كل شهيق و أطرد آلامي في كل زفير.. كم أود أن يكون محقاً.

هواء بارد يكتنف المكان فجأة، يقشعر بدني و تقف الشعيرات الصغيرة علي ذراعي.

كل مؤثر حولي تنقله لمخي شبكة من الأعصاب الدقيقة التي توصل ملايين الإلكترونات كل ثانية.. كل ما يبدو لي بسيطاً .. كل هذه التفاعلات الكيميائية التي تتم دون أن أدري عنها شيئاً.. هذه الآلة المعجزة التي إكتشفتها اليوم

هذه الآلة الممتعة أيضاً.. كل هذه الحواس التي أمتلكها.. حقاً ممتعة! أرى الجمال و أستمع للموسيقي، أشم الزهور و أتذوق السكر ، ألمس الحرير و المخمل .. حقاً إنه جسد ممتع!

و لكن، هذا لا يكفيني! يجب أن أخرج. فجسدي يستطيع التحرك بمهارة.. يجب أن أستغل كل مهارات هذا الجسد..

يجب أن أكتشف.. هل أنا الوحيد من نوعي؟؟ هل هناك آخرون؟؟ هل يشبهونني؟؟

هيا يا جسد الإنسان .. تحرك لترى أناساً آخرين!

عندما خرجت، رأيت الآخرين

رأيتهم! رأيتهم كلهم! لا، ليس كلهم بالطبع و لكن العديد منهم. إنهم البشر. مثلي تماماً و مختلفين عني تماماً ايضاً!

يأتون في أطوال و أحجام مختلفة، ألوان بشرة و عيون و ألوان شعر مختلفة، تميزهم بروزات وجوههم (نعم، الملامح) ، يأتون في نوعين مختلفين ذكراً و أنثى، يصلون إلى العالم صغاراً، لا يعرفوا إلا النوم و الأكل و البكاء و ينمون ليصبحوا كباراً و ينجبون الصغار بدورهم فيستمر وجود الإنسان على الأرض!

رأيت الرضيع، صغيراً و هشاً، أنقى شكل للإنسان، لا يستطيع الإهتمام بجسده بمفرده. ينمو أسرع من الكبير، أمامه مشوار طويل هذا الإنسان الصغير!

قابلت شاباً يتنفس من لفافة ورقية مشتعلة (أسماها سيجارة) و أخبرني أنها تمتعه، جربت أن أستنشق منها فأتمتع أيضاً، فسعلت..

رأيت إمرأة لا تستطيع ان ترى بعيونها و قد تطورت أذناها لتعوضها بعض الشئ..

قابلت فتاة تحب الشيكولاتة و لا تهتم حقاً عندما يخبرها الآخرون بأن وزنها قد زاد..

و رأيت أخرى ترقص الباليه، أذهلني تحكمها الرائع و المتقن في عضلات هذا الجسد!

زرت رجلاً عجوزاً تملأ وجهه الشقوق و يستند على عصا للمشي..

و شاباً آخر في الثلاثينات من العمر يجلس على كرسي يتحرك على عجلات و لا يستطيع المشي من الأساس..

قابلت طفلاً ايضاً قصير القامة، ذو عيون مشدودة إلى الخارج و علمت أنه مصاب بمرض داون أو كما تسميه العامة : (طفل مغولي)

لاعب كرة سلة، عازف بيانو، إمرأة حبلى .. كم من المهارات يستطيع ان يؤديها الجسد و يتقنها الإنسان!

كل هؤلاء البشر، كل هذه الأجساد، كل هذه الآلات الرائعة!

البعض نما مهارات هذه الآلة و طوعها لهدف نبيل، و الآخر أضرها و لم يحسن صيانتها

البعض لم تكن آلته مكتملة كالآخرين، و لكنها مازالت كاملة ...

البعض نقصته بعض الحواس، فتطورت حواس أخرى لتملأ النقص..

البعض صغير سيكبر و الآخر عجوز سيموت..

البعض يهتم بالجسد و الآخر يسممه ..

البعض يحترم الجسد و الآخر يهينه ..

لقد تشابه البشر في الأساس، و إختلفوا في كل ما تبقى!

و لكنني قرأت نفس الشئ لدى الجميع،

في كل العيون رأيته.. رأيت هذه اللمعة.. رأيت هذه الروح

هذه الروح التي تسكن الجسد .. رأيت الخالق

أهو أنت يا الله الذي رأيته في العيون؟؟ أتسكن أيها الخالق في أعماق خليقتك؟؟

أيكون هذا الجسد الكامل الرائع الضئيل هيكلاً لحضورك؟؟

أغمضت عيوني للحظة، شعرت به يخاطبني من أعماقي

" إنه أنا، فأنت صورتي و لهذا أنت كاملاً..

قد تحترم خلقتي لك، قد تهينها، قد تشوهها أو تغيرها

و لكنني دوماً هنا، في أعماقك..

أنت هيكلي يا إنسان.. لقد خلقتك لأنني أحببتك

قبل أن توجد، تخيلتك.. تصورتك .. حلمت بك..

و صنعتك .. لكي تشاركني المجد .. لأنني أحبك..

لكي أسكن معك و تحملني دوماً بداخلك .. كما أحملك أنا أيضاً بداخلي"

كل هذا الحب؟؟ لقد أحبني حقاً فوجِدت!

رأيته في كل العيون و تعرفت عليه حتى في عيون من لم يدركوا أنهم هيكلاً لحضوره..

رأيت في نقص المعاقين كمالاً لهذا الجسد، الذي يتطور ليتغلب على نقصه..

رأيت في آلام المرضى، معجزة الشفاء و أحياناً موت الجسد و حياة أبدية..

رأيت في تصميم الآلة حباً عظيماً و وددت لو أصرخ إلى السماء: "أنت عبقري يا خالقي! لقد خلقتنا كاملين! أشكرك! فحتى في قمة الضعف، تظهر الآلة مظاهر كمالها .. انت تحبني!"

رفعت عيناي نحو السماء، فتحت رئتي و ملأت صدري من الله في كل شهيق، و طردت آلامي مع كل زفير و خاطبته:

" يا جسدي الغالي،

يا جسد الإنسان،

يا قمة كمال الخليقة،

يا هيكل الله،

أود أن أحترمك و أنميك،

أرجو أن أستطيع الحفاظ عليك قوياً،

أريدك أن تكون أداتي لأحب و أخدم بقية البشر،

أودك أن تنقل معي صلاتي لصانعي،

و عندما تموت تكون قد أديت رسالتك،

و حملت الله في داخلك للآخرين"