فتحت عيناي .. لا أتذكر كم من الوقت بقيت مغلقة.. و لكنني فتحتها الآن..
هل أنا أعمى؟؟ لما يحوطني هذا السواد؟؟ لا لا لست اعمى .. أتذكر أنني كنت أرى في الماضي .. لا، لست أذكر شيئاً..
من أنا؟؟ أو بالأصح ما أنا؟؟ أنا لست أدري.. لست أعلم
كل ما يبدو لي أنني فقط موجود.. كائن .. حي ..
أنظر لهذا السطح اللامع حيث تنعكس هذه الصورة التي تتبعني أينما ذهبت..
أهذا هو الإنسان إذن؟؟ أهو أنا؟؟
أتأملني طويلاً: كرة بها بعض البروزات و يعلوها الشعر تستقر فوق مخروط يقطعه عمودياً خط تتدلى منه زوائد تنتهي بالعديد من الأصابع.. أهذه أذرعي؟؟ يديا؟ أصابعي؟ أضم هذه الأصابع بإحكام.. قبضتي، تبدو لي قوية، أفتحها مرة أخرى.. يا لها من حركة
أتأمل بإعجاب الإنعكاس الهادئ على السطح اللامع لهذه الآلة الجميلة .. كم تبدو دقيقة .. معقدة و لكن بسيطة..
ترى كم من الوقت إحتاج صانع الإنسان لتصميمه؟؟ هل كان صنع الإنسان هو حلم حياته؟؟ شغله الشاغل؟؟
في كل الأحوال يبدو بارعاً حقاً
أترك السطح اللامع لحاله و أتأمل نفسي .. أنا الإنسان
أراني، كأنما أراني للمرة الأولى .. اليوم أدركت أنني إنسان و لكنني أجهل ما هو هذا الإنسان ..
لا تملوا، إذ أنني سوف أردد هذا اللفظ الجميل "إنسان"، لست كمن تعلمه اليوم و لكنني أدركت اليوم أنه أنا ..
يجب أن أكتشفه .. يبدوا قوياً، دقيقاً، معقداً، بسيطاً، جميلاً، فريداً .. كل هذا .. هو أنا .. كم أنا فخور
هذا الجسد
وصفته أنا بالكرة المرتكزة على مخروط ... إلخ .. فإذ به رأس يحتوي على مخ ينظم وظائف الجسد و يضم عيوناً للرؤيا، أذاناً للسمع، أنف للتنفس و الشم و لساناً للكلام .. حقاً لقد تعدت هذه الكرة توقعاتي!!
هذه الهيئة الإنسانية، إذ بها مجموعة من الخلايا التي تكون أعضاء و الأعضاء تكون أجهزة تعمل بدورها على بقائي حياً.
أغلق عيناي، أنصت بإهتمام لهذا الصوت الذي يدق بداخل صدري، إيقاع منتظم .. أهذا هو قلبي؟؟ أهو الذي يسرع عندما أخاف، أقلق أو أرى من أحب ؟؟ أهو الذي يضخ الدم و الغذاء لباقي الجسد؟؟
صدري يعلو و يهبط معلناً إمتلائي بالحياة، الذي يمارس اليوجا قد يخبرني أنني أتنفس الخالق في كل شهيق و أطرد آلامي في كل زفير.. كم أود أن يكون محقاً.
هواء بارد يكتنف المكان فجأة، يقشعر بدني و تقف الشعيرات الصغيرة علي ذراعي.
كل مؤثر حولي تنقله لمخي شبكة من الأعصاب الدقيقة التي توصل ملايين الإلكترونات كل ثانية.. كل ما يبدو لي بسيطاً .. كل هذه التفاعلات الكيميائية التي تتم دون أن أدري عنها شيئاً.. هذه الآلة المعجزة التي إكتشفتها اليوم
هذه الآلة الممتعة أيضاً.. كل هذه الحواس التي أمتلكها.. حقاً ممتعة! أرى الجمال و أستمع للموسيقي، أشم الزهور و أتذوق السكر ، ألمس الحرير و المخمل .. حقاً إنه جسد ممتع!
و لكن، هذا لا يكفيني! يجب أن أخرج. فجسدي يستطيع التحرك بمهارة.. يجب أن أستغل كل مهارات هذا الجسد..
يجب أن أكتشف.. هل أنا الوحيد من نوعي؟؟ هل هناك آخرون؟؟ هل يشبهونني؟؟
هيا يا جسد الإنسان .. تحرك لترى أناساً آخرين!
عندما خرجت، رأيت الآخرين
رأيتهم! رأيتهم كلهم! لا، ليس كلهم بالطبع و لكن العديد منهم. إنهم البشر. مثلي تماماً و مختلفين عني تماماً ايضاً!
يأتون في أطوال و أحجام مختلفة، ألوان بشرة و عيون و ألوان شعر مختلفة، تميزهم بروزات وجوههم (نعم، الملامح) ، يأتون في نوعين مختلفين ذكراً و أنثى، يصلون إلى العالم صغاراً، لا يعرفوا إلا النوم و الأكل و البكاء و ينمون ليصبحوا كباراً و ينجبون الصغار بدورهم فيستمر وجود الإنسان على الأرض!
رأيت الرضيع، صغيراً و هشاً، أنقى شكل للإنسان، لا يستطيع الإهتمام بجسده بمفرده. ينمو أسرع من الكبير، أمامه مشوار طويل هذا الإنسان الصغير!
قابلت شاباً يتنفس من لفافة ورقية مشتعلة (أسماها سيجارة) و أخبرني أنها تمتعه، جربت أن أستنشق منها فأتمتع أيضاً، فسعلت..
رأيت إمرأة لا تستطيع ان ترى بعيونها و قد تطورت أذناها لتعوضها بعض الشئ..
قابلت فتاة تحب الشيكولاتة و لا تهتم حقاً عندما يخبرها الآخرون بأن وزنها قد زاد..
و رأيت أخرى ترقص الباليه، أذهلني تحكمها الرائع و المتقن في عضلات هذا الجسد!
زرت رجلاً عجوزاً تملأ وجهه الشقوق و يستند على عصا للمشي..
و شاباً آخر في الثلاثينات من العمر يجلس على كرسي يتحرك على عجلات و لا يستطيع المشي من الأساس..
قابلت طفلاً ايضاً قصير القامة، ذو عيون مشدودة إلى الخارج و علمت أنه مصاب بمرض داون أو كما تسميه العامة : (طفل مغولي)
لاعب كرة سلة، عازف بيانو، إمرأة حبلى .. كم من المهارات يستطيع ان يؤديها الجسد و يتقنها الإنسان!
كل هؤلاء البشر، كل هذه الأجساد، كل هذه الآلات الرائعة!
البعض نما مهارات هذه الآلة و طوعها لهدف نبيل، و الآخر أضرها و لم يحسن صيانتها
البعض لم تكن آلته مكتملة كالآخرين، و لكنها مازالت كاملة ...
البعض نقصته بعض الحواس، فتطورت حواس أخرى لتملأ النقص..
البعض صغير سيكبر و الآخر عجوز سيموت..
البعض يهتم بالجسد و الآخر يسممه ..
البعض يحترم الجسد و الآخر يهينه ..
لقد تشابه البشر في الأساس، و إختلفوا في كل ما تبقى!
و لكنني قرأت نفس الشئ لدى الجميع،
في كل العيون رأيته.. رأيت هذه اللمعة.. رأيت هذه الروح
هذه الروح التي تسكن الجسد .. رأيت الخالق
أهو أنت يا الله الذي رأيته في العيون؟؟ أتسكن أيها الخالق في أعماق خليقتك؟؟
أيكون هذا الجسد الكامل الرائع الضئيل هيكلاً لحضورك؟؟
أغمضت عيوني للحظة، شعرت به يخاطبني من أعماقي
" إنه أنا، فأنت صورتي و لهذا أنت كاملاً..
قد تحترم خلقتي لك، قد تهينها، قد تشوهها أو تغيرها
و لكنني دوماً هنا، في أعماقك..
أنت هيكلي يا إنسان.. لقد خلقتك لأنني أحببتك
قبل أن توجد، تخيلتك.. تصورتك .. حلمت بك..
و صنعتك .. لكي تشاركني المجد .. لأنني أحبك..
لكي أسكن معك و تحملني دوماً بداخلك .. كما أحملك أنا أيضاً بداخلي"
كل هذا الحب؟؟ لقد أحبني حقاً فوجِدت!
رأيته في كل العيون و تعرفت عليه حتى في عيون من لم يدركوا أنهم هيكلاً لحضوره..
رأيت في نقص المعاقين كمالاً لهذا الجسد، الذي يتطور ليتغلب على نقصه..
رأيت في آلام المرضى، معجزة الشفاء و أحياناً موت الجسد و حياة أبدية..
رأيت في تصميم الآلة حباً عظيماً و وددت لو أصرخ إلى السماء: "أنت عبقري يا خالقي! لقد خلقتنا كاملين! أشكرك! فحتى في قمة الضعف، تظهر الآلة مظاهر كمالها .. انت تحبني!"
رفعت عيناي نحو السماء، فتحت رئتي و ملأت صدري من الله في كل شهيق، و طردت آلامي مع كل زفير و خاطبته:
" يا جسدي الغالي،
يا جسد الإنسان،
يا قمة كمال الخليقة،
يا هيكل الله،
أود أن أحترمك و أنميك،
أرجو أن أستطيع الحفاظ عليك قوياً،
أريدك أن تكون أداتي لأحب و أخدم بقية البشر،
أودك أن تنقل معي صلاتي لصانعي،
و عندما تموت تكون قد أديت رسالتك،
و حملت الله في داخلك للآخرين"